السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

185

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

بغداد ويقول للأولاد ادعوا لعمكم الكذاب يعني نفسه ، فعفا اللّه عنه . وإنما كذبهم عليه السلام لأنهم احتجوا بما قاله لهم ، ولأنه وقع في خلده كذبهم ، ولأنه يعلم حنقهم عليه ، ولذلك فعلوا فعلتهم أول يوم ذهبوا به إذ لم يبق بوسعهم تصوّره ، عفا اللّه عنهم ، هلا صبروا عليه يوما أو أسبوعا ليرى صدقهم فيما تعهدوا به ، ثم يفعلوا فعلتهم هذه ، وإن مغزى قوله تعالى ( أَنْ تَذْهَبُوا ) وقوله ( فذهبوا ) ينمّ على ذهابهم به أي إهلاكهم إيّاه ، لو قدرهم اللّه عليه ، ولكن منعهم فألقوه في البئر وأوقع في قلوبهم أن هذا الإلقاء هلاك له ، وبعد أن رأوا من أبيهم ما رأوا برد صدرهم ، وقالوا قضي الأمر بهذه الكلمات وسيزول من صدره أولا بأول ، وقد تم ما أردناه وانصرفوا لعملهم ، قال تعالى « وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ » الذي يستسقي لهم الماء ، قالوا إنه مالك بن ذعر الخزامي من أهل مدين « فَأَدْلى دَلْوَهُ » في ذلك البئر لإخراج الماء لقومه ، فتعلق يوسف بالدّلو فلما خرج إلى فمه ورآه الوارد على أحسن صورة من الغلمان ، وقد جاء في الخبر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال أعطي يوسف شطر الحسن ، قالوا وكان إذا تبسم رأيت النور في ضواحكه ، وإذا تكلم رأيت شعاع النور في ثناياه ، فلم يتمالك نفسه من شدة الفرح ، إذ « قالَ يا بُشْرى » خاطب أصحابه بعد أن ذهب به إليهم وهم قريب منه بقوله « هذا غُلامٌ » خرج مع الدلو فأمسكته وأتيت به إليكم ، أن ناسا خطفوه من أهله « وَأَسَرُّوهُ » خبئوه هنا وجعلوه « بِضاعَةً » ليبيعوه كيلا يعلم به أحد « وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ 19 » لا يخفى عليه شيء من أعمال خلقه ، فابتهج به كل السيارة وكل تمنى أن يكون له ، قالوا وكان أخوه يهوذا يتعهده الفينة بعد الفينة كلما يأتي قريبا من البئر لأجل المرعى وكان يأتيه بطعام خلسة عن أخوته فيطرحه في البئر ، ولم يعلم أنه ليس بحاجة إلى طعامهم ، إذ كفاه اللّه بالماء ، وأنه جاء كعادته فنظر في البئر فلم يره ، وقد مضى على إلقائه ما يقارب السنة ، وإن إخوته الآخرين لم يعلموا يعمل يهوذا ولم يتعاهدوه وظنوا أنه قد هلك من وقته ، فلما لم يجده رجع وأخبر إخوته بالأمر ، فتحسس دمهم عليه وحدا بهم داعي حب الأخوة فندبهم إلى التحري عنه ، فأجابوه وأطاعوه وساروا في طلبه